عبد الكريم الخطيب
617
التفسير القرآنى للقرآن
الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » ( 77 ، 78 : مريم ) . وقد اختلف في شخص هذا الشقي الذي تحدثت عنه هذه الآيات ، بما تمنيه به نفسه من كواذب الأماني وأباطيلها . والرأي - عندنا - أن هذا الحديث لم يقصد به واحد بعينه من هؤلاء المخدوعين بأنفسهم ، والذين جذبتهم أنوار الإسلام إليه ، ثم لم يلبثوا أن ارتدوا على أدبارهم خاسرين . . فكثير من مشركي مكة كان لهم مثل هذا الموقف المتردّد بين الإقبال على الإسلام ، والإدبار عنه ، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى تحددت مواقفهم ، فمضى بعضهم في طريقه إلى الإسلام ، ونكص بعضهم على عقبه ، نافرا ، مستكبرا . قوله تعالى : « أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى » . أي : ألم يعلم هذا المتأمّى على الهدى ، ما في صحف موسى ، وما في صحف إبراهيم ؟ والمراد بالاستفهام هنا طلب هذا العلم الغائب عنه ، وأنه إذا كان هذا الضال لم يعلم بما في صحف موسى وإبراهيم ، فليطلب هذا العلم ، مما سنبينه له في الآيات التالية . ووصف إبراهيم عليه السلام ، بأنه وفيّ ، إشارة إلى ما كان منه من الوفاء بالرؤيا التي رأى فيها أنه يذبح ولده ، فعرضه للذبح ، وهمّ بذبحه ، كما يقول سبحانه : « فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ! إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » ( 103 - 105 : الصافات ) . . فهذا من إبراهيم هو غاية الوفاء ، بما للّه سبحانه عليه من طاعة وولاء .